*ترامب ونبوءة الشرق الأوسط: ما الذي يضمره للإقليم ولماذا استثنى محور المقاومة؟*
*🖋️بقلم الباحث السياسي جواد سلهب*
▪️ لم يكن تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن الشرق الأوسط مجرد كلام عابر في لحظة انفعال سياسي، بل هو حلقة من حلقات مشروع استراتيجي قديم–جديد يستبطن الكثير من الدلالات. تهديداته الأخيرة لم تشر لا من قريب ولا من بعيد إلى محور المقاومة، بل اكتفى بالحديث عن "دول الشرق الأوسط" بصورة فضفاضة (ان لم تقبل حماس سأشعل الشرق الاوسط ). هنا يبرز السؤال: لماذا يتجنب ترامب تسمية القوى التي تقف في مواجهة واشنطن وتل أبيب؟
ما الذي يضمره ترامب للشرق الأوسط؟
منذ سنوات طويلة، تنظر الولايات المتحدة إلى المنطقة باعتبارها مسرحاً لتحقيق ثلاثة أهداف كبرى:
1 - الهيمنة على منابع الطاقة (النفط والغاز) في دول مثل السعودية، العراق، إيران، وقطر، وإبقائها تحت السيطرة الغربية.
2 - حماية الكيان الصهيوني عبر إعادة ترتيب العلاقة مع الدول العربية المحورية مثل مصر، السعودية، الإمارات، والأردن، لكن بذكاء مدروس؛ فإسرائيل لا تريد تطبيعاً شاملاً يقيّد يديها أو يفرض عليها التزامات سياسية وحدوداً دولية، بل تسعى إلى علاقات تطبيع "محدودة ووظيفية" تبقي الباب مفتوحاً أمام مشروعها التوسعي والعدواني في فلسطين والمنطقة.
3 - تفكيك الدول الممانعة مثل سوريا، لبنان، واليمن عبر الحروب الناعمة والضغوط الاقتصادية والتهديدات العسكرية، بحيث تتحول هذه البلدان إلى ساحات استنزاف طويلة الأمد.
▪️تصريحات ترامب الأخيرة ليست إلا امتداداً لهذا المشروع؛ إذ يحاول إعادة رسم صورة "الشرق الأوسط الجديد" الذي بشرت به الإدارات الأميركية السابقة، ولكن بلغة أكثر صراحة وابتزازاً.
*لماذا لم يذكر محور المقاومة؟*
التجاهل المتعمد لمحور المقاومة في كلام ترامب لا يعني أنه غير موجود في حساباته، بل على العكس:
هو يدرك أن تسمية المحور تعطيه شرعية وقوة رمزية أكبر.
كما أن الإدارة الأميركية تعلم أن هذا المحور بات يشكل توازن ردع حقيقي يقيّد حركة واشنطن وتل أبيب.
الصمت الأميركي في الخطاب العلني هو اعتراف غير مباشر بقوة هذا المحور، وحرص على تجنب التصادم الخطابي الذي قد يلهب الشارع أكثر.
*العلاقة بالنبوءة الإنجيلية*
▪️من منظور الفكر السياسي الأميركي، وخصوصاً عند تيار "المحافظين الإنجيليين"، هناك قراءة دينية للتاريخ والسياسة:
يعتقد هؤلاء أن عودة اليهود إلى فلسطين شرط أساسي لتحقيق النبوءة بعودة المسيح عيسى عليه السلام.
لذلك تُترجم السياسة الأميركية في الشرق الأوسط وكأنها تنفيذ لهذه النبوءة: دعم غير مشروط لإسرائيل، وإشعال الحروب لإضعاف محيطها.
وعليه، فإن تصريحات ترامب ليست مجرد سياسة واقعية بل خطاب يستند إلى لاهوت سياسي توراتي–إنجيلي يتجاوز الحسابات الاقتصادية والعسكرية.
كيف تتحقق من منظورهم؟
في عقول هؤلاء المنظّرين، كل اضطراب أو حرب في المنطقة يقرب "الموعد المنتظر". فكل تهديد بإشعال الشرق الأوسط، وكل خطوة نحو تهجير الفلسطينيين أو تقسيم الدول، يُقرأ عندهم كجزء من المخطط الإلهي المزعوم. وهنا خطورة ما يضمره ترامب ومن معه: إنهم يتعاملون مع دماء شعوب المنطقة وأمنها باعتبارها أدوات لخدمة نبوءة دينية مشوهة.
*الخلاصة*
ما يجري اليوم ليس مجرد تصريحات انتخابية أو ابتزاز سياسي؛ بل هو معركة وجودية بين مشروع أميركي–صهيوني يستند إلى قراءة لاهوتية للتاريخ، وبين مشروع المقاومة الذي يستند إلى الوعي والحق والتاريخ الحي للشعوب. تجاهل ترامب لمحور المقاومة هو إقرار ضمني بأن هذا المحور صار الرقم الصعب في المعادلة، وأن مستقبل الشرق الأوسط لن يُرسم بتهديدات البيت الأبيض، بل بصمود الشعوب وخياراتها.


